جلال الدين السيوطي
149
تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب
وقال بعضهم : كنّا عند ثعلب في ذي الحجة سنة ستّ وثمانين ، فقال في كلام جرى : ما كنت في وقت من الأوقات أشدّ تثبيتا في العربية واللغة مني في هذا الوقت ؛ لأنّي كلّما طاولتها وتبحرتها احتجت إلى التثبت فيها ، وأرى قوما ينظرون أياما يسيرة ، ثمّ يقع لهم أنّهم قد بلغوا أو اكتفوا . وقال أبو عمر الزاهد : قال لي ثعلب : إنّه ما قال شعرا قط إلا شيئا لم يظهر : البيت والبيتين ، وما كان يرتضي ما يأتيه من ذلك . قال ابن خالويه في شرح الفصيح : حدثني أبو طاهر النحويّ عن ثعلب أنّه قال : كلّ ما أتاك في الفصيح بعد إذا هو مفتوح ، ومعناه أنّ المصيب إنّما أتى به فائدة للمخاطب ، فقال ويقول : يا من أخاطبه ملحت القدر إذا ألقيت فيه الملح ، وليس بخبر عن نفسه ، ولو جاز أن يقول : إذا ألقيت أمليت . وأقول : فلما خبرت الكلام إلى المخاطب لم يجز إلا الفتح . انتهى . في تذكرة ابن مكتوم عن الفصوص لصاعد اللغويّ : كان ثعلب يلقب بقوتيل ، والمازني بهشكيل . وفي معجم الأدباء : حدث المرزبانيّ عن أحمد بن محمد العروضيّ قال : إنّما فضل أبو العباس ثعلب أهل عصره بالحفظ للعلوم التي تضيق عنها الصدور ، وقد كان أبو سعيد السكريّ كثير الكتب جدا ، فكتب بهذا ما لم يكتبه أحد ، فكانا في الطرفين ؛ لأنّ أبا سعيد كان غير مفارق للكتاب عند ملاقاة الرجال ، وأبو العباس لا يمسي بيده كتاب اتكالا على حفظه ، وثقة بصفاء ذهنه . قال : وقرأت بخط ابن أبي سالم الحسن بن علي ، قال ثعلب من خط الحسن بن علي بن مقلة ، قال : قال ثعلب : ابتدأت النظر في العربية والشعر واللغة ولي ست عشرة ، وحذقت العربية ، وحفظت كتب الفراء كلّها حتى لم يشذّ عني حرف منها ، ولي خمس وعشرون سنة ، وكنت أعنى بالنحو أكثر من عنايتي بغيره ، فلما أتقنته أكببت على الشعر والمعاني والغريب ، ولزمت أبا عبد الله بن الأعرابيّ بضع عشرة سنة ، وأذكر يوما وقد صار إلى أحمد بن سعيد بن سلمة وأنا عنده